ملخّص - الفلسفة الهنديّة: مقدّمة قصيرة جدّا - سو هاميلتون
يتناول هذا التلخيص الفلسفة الهندية بمختلف تياراتها وأفكارها العميقة التي تمتد عبر التاريخ. نستعرض في هذا التلخيص الأفكار الأساسية من تاريخ الفلسفة الهندية ومدارسهم الفكرية مثل الفيدانتا، اليوغا، والبوذية. نهدف من خلال هذا التلخيص إلى تقديم لمحة موجزة وشاملة عن المفاهيم الفلسفية التي شكلت الفكر الهندي وأسهمت في تشكيل الفلسفة العالمية.
هذا الملخّص هو لكتاب "الفلسفة الهنديّة: مقدّمة قصيرة جدّا" تأليف سو هاميلتون
التفكير والأعتقاد
إن ما يطلق عليه الغربيون الدين والفلسفة يجتمعان في الهند في محاولات الأشخاص فهم معنى وتركيبة الحياة, بما يشبه محاولات سقراط. كانت الفلسفة الهنديّة تعنى بالسعي الى فهم طبيعة الحقيقة, لما لهذا من أثر عميق على مصير الفرد. إنّ هذا التداخل أوجد ميلا عند الغرب لإعتبار الفكر الهندي صوفيّا, على النقيض من عقلانيّة الغرب, وهذا خطأ ناتج عن إضفاء صورة خياليّة على الأنظمة الفكريّة التي نشأت في مكان آخر.
كان يشار الى الفلسفة الهنديّة قديما باسم "دارشانا" وتعني الرؤية, أي امتلاك البصيرة المعرفية للإطلاع على طبيعة الحقيقة, وكان يطلق على المعلمين اسم "ريشي" وتعني الناظرين. أي أن هناك تسليم بقدرة البشر على إكتساب رؤية فعليّة وتحسين الإدراك المعرفي من خلال تمارين الضبط الذهني, فيستطيعون عندها تخطي حاجز ما هو طبيعي. كانت الكارما من السمات المميّزة لرؤية العالم في الفلسفة الهنديّة, فالكلمة معناها الحرفي هو الفعل, وارتبطت الكلمة بمعنى عواقب الفعل نتيجة طقوس تقديم القرابين (أفعال شعائريّة) والإيمان بأنها تجعل الكون يسير على أفضل وجه. في القرن الخامس قبل الميلاد, انتقل التأثير من مجال الكون الحالي الى الفائدة الفرديّة اللاحقة, فساد الإعتقاد بأن العواقب الإيجابية او السلبية لطريقة أداء الفرد لواجباته قد تلحق به في حيواته المستقبليّة. ومن التفسيرات الأخرى لآلية عمل الكارما, نجد أنّ الجاينيين قالوا بأن كل الكارما سيئة, لأنّه لا يمكن أن توجد عاقبة جيدة لفعل ما, ما يجعل المرء عالقا في مأزق الولادة المتكرّرة. أمّا البوذيّون, فقد قالوا بأن عمل الكارما أخلاقي في أساسه, فإن ما يأتي بالعاقبة هو نيّة المرء, فليس المهم ما يفعل ظاهريّا, بل المهم الحالة الذهنيّة.
البدايات البرهميّة
أتى الآريّون في الألف الثاني قبل الميلاد الى شمال الهند, وأدخلوا ممارساتهم وأفكارهم على شعوب المنطقة, وتولّى الكهنة البرهميّون تقليد تقديم القرابين الفيدي. كانت الكتابة غير معروفة لهم, فتولّت العائلات الكهنيّة مسؤولية الحفظ الشفهي الدقيق لهذه الطقوس وذلك للحفاظ على فعالية القربان. إذ أن تقديم القرابين الى ديفا كان لهدف دنيوي هو أن يستمر الكون في العمل بأفضل كفائة ممكنة. ما فرض على كهنة البرهميّة القيام بالطقوس هو النصوص المعروفة بإسم فيدا (معرفة), والتي تعتبر بأنها الحقيقة التي عرفها الأسلاف القدماء من بعد تأمّل عميق. كانت الكلمات والأصوات الموصوفة في صحف الطقوس واجبة النطق, إذ أنها تسهم في نتائج القربان, لذلك فقد أعتبرت اللغة السنسكريتيّة أداة مقدسة أكثر من كونها مجرد سويلة تواصل, لقد اعتبرت تجسيدا في صورة صوتيّة لتجلّي الكون. حرص الكهنة البرهميّون على إتقان النصوص الفيديّة واللغة السنسكريتيّة دون غيرهم من الناس, وإضفاء الشرعيّة على هذه المعرفة الحصريّة بادعاء أنّ هذا من أجل حماية النصوص, وبهذا وضع الكهنة أنفسهم في موقع السيطرة المطلقة على المجتمع.
على الرغم من أن النظام الفيدي القرباني كان دنيويّا الى حد كبير, الّا أن النصوص الفيديّة تسجّل بأن القدماء كانوا يتأمّلون على نحو معقد في طبيعة الكون الذي يسعون الى إستمراره. لم يؤثّر هذا التأمّل على الطقوس نفسها, لأنّها كانت مدوّنة بدقّة صارمة, إلّا أنّه أدّى الى ظهور مجموعة من الكهنة التي تؤمن بإمكانيّة أن يصبح القربان باطنيّا لا ظاهريّا فقط, وتمثّل كتابات الأوبانيشاد (الجزء الأخير من الفيدا) ذروة هذا الإتجاه. تضمّ الأوبانيشاد تعاليم وأفكار تقّلل من مكانة الهدف من الطقوس وتسعى الى المعرفة الروحانيّة الباطنيّة, وهذا يعدّ تحوّلا في التقليد من إهتمامه بالكون الى الإهتمام بالإنسان. تحتوي الأوبانيشاد على أول تسجيل لفكرة أن البشر يولدون مراراّ وتكرارا في ظروف تتوقف على أفعالهم في الحيوات السابقة, وبهذا فقد تم تعميم قانون الكارما من حصريته على الطقوس الى تطبيقه على آليات التجربة البشريّة. فأهم شيء يجب أن يطمح المرء إليه هو اكتسابُ معرفةِ طبيعةِ ذاته الجوهرية أو روحه، التي تُسمَّى "أتمان" باللغة السنسكريتيّة. وتقول نصوص الأوبانيشاد إن الذات والكون شيء واحد, ويتضح ذلك على نحو واضح في جملة {أنت كلّ ذلك}. إنّ هذه المعرفة تؤثر على خلاص المرء "موكشا" وبهذا أصبحت تجربة الموكشا هي الهدف الأسمى للوجود البشري.
إن المبدأ القائل بتطابق الذات والكون يجيب على التأمل الأولي المتعلّق بطبيعة الكون. يشار الى الكون في الأوبانيشاد بكلمة "براهمان", وهي المرادف للوجود, وبذلك تصبح جملة {الأتمان بالفعل هي البراهمان} موحّدة ما بين الذات والكون. من هذا المنطلق أصبحنا أمام توجّهين, الأوّل تعدّدي يؤمن بأن تعدّد العالم التجريبي هو حقيقة مطلقة, والثاني واحدي يؤمن بأن الحقيقة واحدة وهي أكبر من ما نراه على السطح. في بداية القرن الخامس لم يكن هذا التعارض جليّا, إلّا أنّ الوضع تغيّر مع وجود بوذا وضرورة دفاع التعدّديين عن طقوسهم ورؤيتهم الواقعيّة للعالم. أدّى تطوّر النقاش الفلسفي والجدلي الى ظهور قسمين من التأويلات للنصوص تعايش على أساسهما الفرعان الشعائري والمعرفي للتقليد البرهمي, وعرفا بإسم قسم الأفعال "كارما كاندا" وقسم المعرفة "جنيانا كاندا".
هجر المنظومة البرهميّة
إرتباط السلطة الدينيّة بالتسلسل الهرمي الإجتماعي الذي يتولّى كهنة البرهميّة إدارته وحراسته, جعل البعض يسعى الى ايجاد طرق إجتماعيّة دينيّة بديلة, وأصبح يطلق عليهم إسم المارقين "شرامانا". كان هؤلاء رافضين لكل ما يتعلّق بسلطة كهنة البرهميّة وتوجيهاتهم, ولم يقتصر الأمر على تقديم القرابين بل تعدّاه الى الإنتاجيّة الإجتماعيّة والتناسليّة. لقد كانوا متجوّلين ومتبتّلين, مارسوا أساليب تقشّف قاسية ومؤلمة بالإضافة الى أنواع أخرى من نكران الذات, إذ أنهم كانوا يعتقدون بأن هذا الزهد يسهم في إكتساب البصيرة الروحانيّة من خلال التركيز الذهني. لقد كشفت الآثار عن أنّ المارقين قد ورثوا تقليدهم عن السكّان الأصليين لوادي السند الموجودين قبل وصول الآريين وازدهار تقليدهم. كما ظهرت أيضا نظريّة ماديّة للغاية تنادي بالماديّة المتأصلة للبشر في عالم نهائي تماما ومحدود زمنيا, وعلى الرغم من احتمالية وجود ذات غير ماديّة مرتبطة بالجسم المادّي, فإن هذه الذات تنتهي للأبد عند الموت, وقد أطلق على هذه المجموعة إسم العدميين. في هذه الظروف ظهر بوذا.
قدّم بوذا مبدأ الحقائق الأربعة النبيلة وهي: الوجود البشري له صفات جوهريّة محدّدة, توجد عوامل تعزّز استمراريته, من الممكن ايقاف تلك الإستمرارية, توجد طريقة تؤدي الى هذا الإيقاف. علّم بوذا أتباعه أنّ كل عوامل عالم الوجود الظاهري غير دائمة, ونظرا لذلك فإنها غير مرضية "دوكها" في نهاية المطاف (بحكم فنائها) على النقيض من خلود الديمومة المطلقة. لذلك فإن عدم الإشباع الناجم عن الزوال هو السمة الأساسية للحياة المتكرّرة, وإيقاف الدوكها يكون عن طريق النيرفانا وتعني إطفاء, وتشير الى ايقاف وقود الإستمراريّة. أما السبب وراء استمرار رغبةِ المرء وتَوْقه لِمَا لا يمكنه الحصول عليه فهو جَهْله بالطبيعة الحقيقية للحقيقة, وهي أنّ كل الأشياء نشأت معتمدة على غيرها. حثّ بوذا أتباعه على الإبتعاد عن تبنّي أي موقف وجودي يتعلّق بالذات والكون, واعتبر كل ما يطرح آراء لأنّ كل الأشياء التي يمكن معرفتها أساسا غير ذاتيّة, ما اعتبر انكارا تاما للذاتيّة. كان تعليمه مرتكزا على تجنّب الموضوعات الوجوديّة والتركيز على عمل الملكات الفكريّة. هذه الملكات هي الوسيلة التي يدرك بها المرء التجارب, فعليه تكون نقطة الإنطلاق نحو الحقيقة. هذا المبدأ قام بتحويل مركز الإستقصاء من الوجودية الى الإبستيمولوجيا.
الموضوعات والمبررات
في مواجهة انتشار المزاعم المناهضة لمعرفتهم الحقيقة، كان كهنة البرهمية مضطرين إلى توضيح الموضوعات التي تبرر ممارساتهم وتؤكد سلطتهم في الوقت نفسه من أجل الحفاظ على مكانتهم السيادية. ونظرًا لكونهم الحراس القدماء للطقوس القربانية واللغة السنسكريتية، فقد سعوا إلى وضع المعايير التي بموجبها تصبح ممارساتهم واهتماماتهم مشروعة، ليس فقط من أجلهم، بل أيضًا من أجل دحض مزاعم الآخرين. كان من الضروري للكهنة الإستعانة بخطيّ دفاع, الأوّل هو تعزيز وحماية استمرارية النظام الاجتماعي الطبقي القائم على النقاء الشعائري, أمّا الثاني فكان الحفاظ على المحتوى الكامل للنصوص المتعلقة بأداء الطقوس والدفاع عنه.
أتت المساهمة الجبّارة من النحوي بانيني بتأليفه كتاب "أشتاديايي" الذي ختم اللغة السنسكريتيّة من كافّة النواحي اللغويّة, وتلاه جايميني في تأويل الفيدا, بناء للنظريّات اللغويّة التي ظهرت, وتأكيد معنى المحتوى وإثبات صحته, وعاصره بادارايانا الذي أهتمّ بتلخيص التعاليم الأساسيّة للأوبانيشاد. من بعد هذه التطوّرات في الجدل والبحث, أصبح النشاط الفلسفي المتعلّق بالذات يعرف باسم "أتما فيديا" أي معرفة الذات, أمّا باقي الموضوعات اللازم النظر اليها والإستقصاء عنها فأصبحت تعرف باسم "أنفيكشيكي". وهنا نجد أمامنا نظامين فكريّين هما "فايشيشيكا سوترا" التي مثّلت نظاما للواقعيّة التعددية الوجوديّة وأهتمّت بالوضع الوجودي لمكوّنات الحقيقة وسعت الى تحديد أنواع الكيانات التي يتكوّن منها العالم, و"نيايا سوترا" التي أهتمّت بالطريقة التي يمكن للمرء من خلالها التوصل الى معرفة مؤكدة حول الواقعية التعددية الوجوديّة وكان أهم إسهاماتها طريقة إبستيمولوجيّة تقوم على التفكير الإستدلالي. لقد سعى هذان النظامان الى وضع حقيقة مطلقة لعالم الحسّ العام التعددي, واعتبروا أن تصوّرات الحسّ العام تقدّم تمثيلا حقيقيّا لذلك العالم, وبهذه الطريقة منحوا أولويّة فائقة للتصوّرات الحسيّة باعتبارها وسيلة للمعرفة.
الفئات والطريقة
علم الوجود في فايشيشيكا يتَّسم بواقعية تعددية, فهو يقسِّم المكونات الأساسية للواقع إلى سبع فئات هي: المادة، والصفة، والفعل، والخصائص العامة، والخصائص الخاصة، وعلاقة التأصل, والغياب أو النفي. المادّة تنقسم بدورها إلى تسعة أنواع مختلفة من الذرّات هي: الأرض والماء والنار والهواء والأثير والمكان والزمان والذَّات والعقل. تُعدُّ الأرض والماء والنار والهواء ذراتِ مواد ماديّة, أما المكان والزمان والذات والعقل فهي ذرات مواد غير ماديّة, وكل الذرات أبدية. تتجمَّع ذرات الأرض والماء والنار والهواء معًا لتكوين أشياء قابلة للإدراك، بالاشتراك مع ذرة أو أكثر من أنواع الذرات الأخرى في حالة كوْن ذلك مناسبًا. وذرات الأثير والزمان والمكان والذات والعقل بالإضافة لكونها أبدية، فإنها منتشرة في كل مكان. أما العقل فهو ذَرِّيٌّ فقط في حجمه، وترتبط ذرة العقل الواحدة بذرَّةِ ذاتٍ واحدة في كل إنسان على حدة. المادّة هي الفئة الأهم؛ لأن الفئات الأخرى لا تتحقَّق إلا من خلال علاقتها بالمادة. يوجد 24 صفة, و5 أنواع من الفعل متأصلة في المواد, وكل حدوث فردي للمادّة هو مثال خاص على شيء عام. تتَّضح تعددية الذوات في التجسيد المتعدد لصفة الوعي, وكل ذاتٍ تتَّسم بعدة صفات هي: الرغبة، والنفور، والمتعة، والألم، والجهد. أما الدور الذي يلعبه العقل، والذي يُستنتج وجوده من نشاطه، فهو معالجة المعلومات الحسِّية؛ ويُعد هذا الدور مهمٍّا أيضًا في السماح بإدراك الذات على نحو داخلي. وهذا الفصل الواضح بين الذات والعقل شائع في الفكر الهندي. فيما يتعلّق بالخاصيّة العامّة والخاصّة, فالخاصيّة العامة يمكن أن يشترك فيها أيُّ عددٍ من الأشياء الخاصة، وخصوصية الحدوث الفردي للخاصية العامة هي ما تميِّز إحدى الزهور مثلًا من غيرها. بالإضافة إلى ذلك، فإنه فقط من خلال الخصائص الخاصة يمكن ظهور الخصائص العامة. بل إن الذرات الفردية المتماثلة من الناحية الوجودية، على نحوٍ يتراوح بين كل ذرات الأرض وكل ذرات الذوات، تتمايز بالخصائص الخاصة في هذا المخطط التعددي إلى حدٍّ جذري؛ وعلى الرغم من تماثلها من الناحية الفئوية، وتَشارُكها في الخصائص العامة المشتركة، فإن كل ذرة تُعد فريدة إلى حدٍّ ما، وهذا التفرد يصنَّف على نحوٍ منفصل بأنه خصوصية تلك الذرة. وتكمن أهمية الخصائص العامة في أنه بدونها لن يوجد سبيلٌ لمعرفة تلك الخصائص المعينة. وتبقى فئتان من الفئات اللازمة مناقشتها، وهاتان الفئتان هما الفعل والغياب، ويُعد الفعل هو الأهم بينهما؛ لأنه يمثِّل السمة النشطة والفعالة للمادة. إن اعتبار الغياب فئة مستقلة يمكن أن يُعد أمرًا مفاجئًا في مدرسة فكرية واقعية, فقد أضيفت هذه الفئة لتوضيح إن الغياب أو عدم الوجود يُعد حالة حقيقية وواقعيّة. لقد سمحت صفة الغياب لجملة على شاكلة {لا توجد زهرة هنا} بأن تكون ذات معنى حقيقي. تحدَّد خمسة أنواع من الغياب هي: عدم وجود زهرة هنا (الغياب), الزهرة ليست بقرة (إختلاف), لا تُوجد زهرة بعدُ على شجيرة الزهور (عدم وجود سابق للوجود), الزهرة لم تَعُدْ موجودة (عدم وجود يعقب الوجود), صفة الزَّهريَّة لا توجد مطلقًا في البقرة (شيء لا يوجد أبدا).
أضاف مفكروا نيايا عاملين في غاية الأهميّة الى نظام فايشيشيكا. أوّل هذه العوامل هو أنهم قدّموا طريقة معيّنة تقوم على قواعد فكريّة محدّدة يمكن من خلالها التوصل الى معرفة مؤكدة حول الشيء محل الإستقصاء, وهذا سمح لهم أن يزعموا بأنهم أثبتوا الواقعيّة التعدّدية التي تقدّمها لنا تصوّراتنا. أسهمت هذه الطريقة في قواعد الجدل, اذ أوضحت الأمور التي تجعل الحجة غير مقبولة. أمّا العامل الثاني فهو قولهم بأن المعرفة المكتسبة بهذه الطريقة فعّالة من الناحية السوتريولوجية (أي أن اكتساب هذه المعرفة يؤثر على مصير المعتنقين), وقدّموا قائمة توضّح الأشياء ذات المعرفة الحقيقية, وهي الأشياء المشروع التساؤل عن وجودها وطبيعتها, لأن معرفتها تسهم في الوصول الى الصالح الأعلى, الخلاص "موكشا". تقول فلسفة نيايا إن الاستقصاء يجب إجراؤه فقط في حالة وجود بعض الشكوك حول الأمر المُستقصَى عنه, لا الأمور المعلومة, ويجب أن يكون من المحتمل التوصّل لنتيجة مؤكدة, لا أن تكون النتيجة مستحيلة وإلّا أصبح الاستقصاء عبثيّا. والشكّ في حد ذاته ليس كافيا لإضفاء الشرعيّة على الإستقصاء, بل يجب أن يوجد أيضا هدف وجيه له, وهذا الهدف يجب أن يسهم في غاية الخلاص. كذلك فمن الشروط وجود بيانات ناتجة عن الملاحظة والرصد يمكن استخدامها لدعم الإفتراض المقدّم في بداية الإستقصاء, وهذه السمة في النظام تشير الى أهميّة الربط بين العالم التجريبي (بيانات يقينيّة) وبين أسلوب الجدل المنطقي, فلا مجال للمجرّدات الفلسفيّة القائمة فقط على المنطق الرياضي. يقوم هذا النظام على خمس مراحل تقود الإستقصاء الى إستنتاج مؤكّد, والمراحل هي: ذكر الأطروحة اللازم إثباتها, ذكر سبب الأطروحة, إعطاء مثال يكون قاعدة يمكن الإستناد إليها للمساعدة في إثبات الأطروحة, ذكر علاقة القاعدة بالأطروحة, إعادة ذكر الأطروحة على النحو الذي أثبتت به. إنّ رؤية هذه المدرسة الفكريّة للعالم هي رؤية تتصف بالواقعية التعددية, ويرى أصحاب هذا الفكر أن إدراك أحد الأشياء ينقل للشخص المدرك معرفة الوجود المستقل لذلك الشيء. إنّ وسائل المعرفة الأساسيّة المستخدمة في هذه المدرسة هي: الإدراك, التفكير, الإستنباط.
الأشياء واللاأشياء
أهتمّت أوّل النقاشات الجادة داخل التقليد البوذي بالقواعد الرهبانيّة الإنضباطية الصارمة, ما أدى الى نقاشات ومن بعدها إنشقاقات أوصلت الى التشظّي وظهور مدارس مختلفة بتوجهّات عقائدية مختلفة أيضا. خلال 800 عام التي أعقبت وفاة بوذا, ظهرت حوالي 18 مدرسة, منها لوكوتارافادا, ساماتيا, سوترانتيكا وسارفاستيفادا. لكن بوذية التيرافادا هي الوحيدة التي بقيت تمثل البوذية القديمة (ما قبل الماهايانا). كانت المعايير التي على أساسها تنقسم المدارس مرتبطة بالمكانة الوجودية للبشر والعالم, حيث أنهم كانوا مضطرين لمواجهة التعاليم الأولية التي ركزت على العمليات العقلية بدلا عن العالم الخارجي.
عملت بعض المدارس على تطوير أطروحات تفسيرية للسوترا (العقائد) عرفت باسم أبهيدارما, وكان لكل مدرسة أطروحة تفسيرية خاصة بها, هذا ما رفضته مدرسة سوترانتيكا وقررت الإلتزام بالتعاليم الموجودة في السوترا حصرا. كان تقليد أبهيدارما مهتما بأمرين: الفهم والتفسير القاطع للدارما (التعاليم) كونها مبهمة وغامضة, والتحقيق في طبيعة الواقع بما يرتبط بالدارما. إلا أن مدرسة سوترانتيكا ركزت في تحليلها على شرح العلاقة بين الإدراك المعرفي للعالم من منظور الشخص وبين الإستمرارية الكارميّة, وقالوا أن مكونات هذه العملية التجريبية غير دائمة, متغيرة, لحظية وليس لها أي نوع من الوجود المتأصّل. لكن مدرسة سارفاستيفادا التي أقرّت بمبدأ أن كل الدارمات مؤقتة, إلا أنها موجودة في كل الأنماط الزمنية, الماضي والحاضر والمستقبل, وجعلوا للدارما جوهرا مستمرا أساسيا, سفابهانا (وجود ذاتي). بينما أهتمت مدرسة تيرافادا بتصنيف كل جوانب التجارب فيما يتعلق بأنواع الدارمات, فجعلوها في 28 فئة مادية و52 فئة ذهنية بالإضافة الى الوعي, وكان هدف الممارسين تعلم ملاحظة وتحليل تلك الدارمات في حالات التأمل. لقد قامت كلتا المدرستين ذواتَي الأبهيدارمات بتحدّي أتباع نيايا فايشيشيكا فيما يتعلق بطريقة فهمهم للعلاقة بين المظهر المعرفي للأشياء وحالتها الوجودية، فقد نفوا إمكانية إدراك الأجزاء بالإضافة إلى الكليات نفيًا مطلقًا. تعامل مفكرو الأبهيدارما مع موقفين متلازمين، تمثَّل الموقف الأول في اعتقادهم أن التقليد البوذي كان في حاجة إلى أن يقدِّم لأعضائه الممارسين تمثيلًا لتعاليمه يتَّسم بقدر أكبر من التفصيل والمنهجية؛ لتحل التفسيرات القاطعة محلَّ الغموض العقائدي، وفعلوا ذلك من خلال الاستعانة بمجموعة معايير تِقنية بدايةً من التحليل اللغوي وحتى الممارسات التأمُّلية. أما الموقف الثاني فكان اكتساب الميل إلى تقديم التعاليم على نحوٍ منهجيٍّ لإثبات صحة وترابط تلك المعايير بالنسبة لهم، وليمكنهم أيضًا من التعامل على نحوٍ أسهل مع المزاعم المعارضة التي يطرحها الغرباء حول موضوعات مشابهة.
مع مرور الوقت أصبحت دارمات الأبهيدارمات واقعية على نحوٍ متزايد, فالأشياء التي كانت مفهومة في البداية بطريقة مجردة إلى حد ما اكتسبت تدريجيٍّا المتعددة والواقعية. وعندما ظهر ذلك، جاء النقد الجادّ من داخل التقليد البوذي، وأسهم في ظهور بوذية الماهايانا (الطريق الأعلى)، وهي حركة بوذية شاملة سعَت إلى وضْع فهم لتعاليم بوذا يكون فهمًا قاطعًا أقلَّ مراوغة. والمراحل الأولى لهذه الحركة نجدها ممثَّلة في الأدبيات المعروفة باسم سوترات براجنياباراميتا (أطروحات حول كمال الحكمة) واستهدفت تلك النصوص نظريات الدارما الخاصة بالأبهيدارمات، وأوضحت أنها مناقضة للمبدأ الذي ينصُّ على أن كل الأشياء نشأت معتمدة بعضها على بعض؛ ولذلك فإنها تفتقر تمامًا إلى الجوهر. وزعمت بأن أسلافهم فشلوا في فهم الطبيعة العامة لمعتقَد اللاذات, فقالوا بأن كل الأشياء "الدارمات" خاوية "شونيا" من الوجود الذاتي "سفابهانا".
لاحقا, قدّم ناجارجونا عمله مادياماكا كاريكا (كتابات حول الطريق الوسطي) لينقد بشكل قاطع أي نوع من أنواع الواقعية أو التعددية, فقال بأن الأشياء معتمدة النشأة تكون خاوية من الوجود الذاتي (المستقل), فلا توجد أي دارمات في أي مكان وبأي طريقة تنشأ من تلقاء نفسها, أو من شيء آخر, أو من كلاهما, أو تنشأ تلقائيا. قدّم ناجارجونا فكرة الحقيقتين, الحقيقة الاصطلاحية أو العرفية والحقيقة المطلقة، وترتبط الحقيقة الاصطلاحية بالعالم التجريبي الذي نعيش فيه، أما الحقيقة المطلقة فترتبط بالأشياء كما هي في واقع الأمر. وفقا لناجارجونا, فإن ما يجب أن يتطلع المرء الى تحقيقه اذا أراد أن يفهم طبيعة الحقيقة, هو إيقاف كل التفريقات اللفظية, فكل ما نتلفظ به من الفاظ حول الحقيقة محتوم عليه بأن يكون زائفًا بسبب زيف أطروحات العالم المعتاد الذي تعمل فيه هذه التعبيرات اللفظية.
بعد قرنين من حياة ناجارجونا, ظهرت مدرسة شيتا ماترا (العقل فقط) وركّزت على وجه التحديد على تحليل العمليات العقلية, وعلى تقديم البوذيّة بطريقة أقل سلبيّة (نسبة الى مبدأ الخواء الذي قد يحمل دلالات عدمية خادعة) من خلال الانتباه الى الممارسات الفعلية المتمثلة في فهم حالات التأمل بغية اكتساب البصيرة المحررة. ومن أجل التغلُّب على الاستمرارية، يجب أن يخترق المرء التركيبة المعتادة للعمليات الذهنية المتمثلة في ثنائية الذاتية والواقع المادي من خلال المبادئ التأملية يوجا كارا (ممارسة اليوجا) ومن خلال فهم أن التجربة لها ثلاث جوانب, الجانب المكوَّن (الواقع المادي), الجانب التابع (البيانات الخام للتجربة, التي تخضع للتحولات الذهنيّة وتصبح الجانب المكوَّن), والجانب المحسَّن (غياب التكوينات الذهنية العاملة في ظل تدفق التجربة, استبصار الواقع على حقيقته). أسّس ناجارجونا للبوذيّة قوّة الحجّة المنطقيّة في دعم موقفها وآرائها الناقدة للآخرين, ما أدّى الى ازدهار ما يسمّى (المنطق البوذيّ).
الشاهد والمشهود
منذ مرحلة مبكرة للغاية في التقليد الهندي والناس يمارسون أنواعًا مختلفة من التمارين الذهنيّة, يشار اليها بمصطلح عام "اليوجا". كلمة يوجا مشتقّة من الفعل السنسكريتي "يوجي" ويعني الربط, والفكرة تكمن في توحيد الذات "أتمان" مع الجوهر الشامل "براهمان". ويمكن أن تكمن الفكرة أيضا في مفاهيم السيطرة والتناغم على الصعيد الداخلي (وحدة البصيرة). وجدت دارشانا اليوجا الكلاسيكية في نص يعرف باسم سوترات اليوجا, وهو كتيب إرشادات عن ممارسة اليوجا يعبّر عن تقليد ممارسة طويل بعيد عن الجدل في الأفكار المجرّدة, حيث يركّز على الكفاءة في الممارسة بهدف الوصول الى الخلاص. هدف اليوجا هو إيقاف كل أنشطة العقل "شيتا فريدي نيرودا" فيتمكن المرء من التركيز على شيء واحد, وممارسة النظر للخارج (عدم التركيز على الذات), اللطف تجاه الآخرين, التنفّس السليم والرزانة العقلية. تخدم اليوجا المنهجيّة التي تفرّق بين الذات الحقيقية "بوروشا" والعالم المرئي "براكريتي" حيث أن الربط بينهما هو ما يسبب الوهم, وتحقّق الإنفصال بينهما هو ما يحرّر الذات الحقيقية من أسر الميلاد المتكرّر. تخبرنا اليوجا سوترا بأن هدف التفريق يمكن أيضًا تحقيقه من خلال عبادة الإله إيشفارا, فيقال بأنه بوروشا مميّزة, لا يتأثّر بأنشطة الكارما, عليم بكل شيء.
على النقيض من اليوجا الكلاسيكية، يتضمَّن النص الأساسي لسانكيا الكلاسيكية على نحوٍ أكثر وضوحًا تفسيرًا مفصلًا لموقفها الوجودي ومناقشة واضحة لوسائلها في اكتساب المعرفة. المصطلح السنسكريتي "سانكيا" يعني العدّ, وفي سياق هذا التقليد تعني تحليل وتمييز الفئات التي يتكوّن منها العالم الظاهر. تستهلّ سانكيا كاريكا بقول {بسبب ألم المعاناة تنشأ الرغبة في معرفة كيفية التغلب عليها}, وتتشابه في توصيف الواقع من خلال ثنائية البوروشا والبراكريتي, وتقول بأن الشيء الذي يصبح ظاهرا (عند ارتباطه ببوروشا) كان موجود سابقا في عالم براكريتي على نحو غير ظاهر, وهذا يعني عدم خلق أي شيء جديد. وجهة النظر هذه تسمّى "ساتكاريافادا" وهي تقول بأن النتيجة توجد مسبقا في المسبِّب. الأسباب المبرّرة لهذه النظرة هي كالتالي: لأن عدم الوجود يعني عدم الإنتاج؛ لأن المسبِّب المادي ضروري؛ لأن الأشياء لا يمكن أن تنشأ عبثًا من أشياء مختلفة؛ لأن الأشياء يمكن فقط إنتاجها من الأشياء القادرة على إنتاجها؛ لأن هذه هي طبيعة السببية. هنا تظهر أهمية الإستنباط كوسيلة للمعرفة لدى مدرسة سانكيا. أما وسائل المعرفة الأخرى التي تقبلها فهي الإدراك (التيقّن الإنتقائي من أشياء حسيّة معيّنة) والشهادة الموثوقة (التراث المتخصص للتقليد الذي يعود الى كتابات الأوبانيشاد).
عالم براكريتي يخضع لتأثير ثلاث صفات رئيسية هي الخير, الطاقة/الشغف, الجمود. هذه الصفات الممزوجة بنسب متفاوتة والموجودة في كل كائن أو شيء هي التي توضح سبب الإختلاف بين الناس وبين الأشياء المنتمية الى النوع نفسه. بالإضافة الى الطبيعة الثلاثية لعالم براكريتي, هناك فئات تخدم مسعى التغلّب على المعاناة وهي "بودي" والتي تؤدي دور إرادة الفرد وملكة التمييز, "أهانكارا" وهي الذات, ثم يأتي العقل, متبوعا بسلسلة من مجموعات الأعضاء والعناصر. إن السعي إلى تمييز بوروشا يتطلَّب التغلب على التأثير والمشتِّتات الناجمَين عن الصفات غير المتوازنة، لا سيما سيطرة الشغف أو الجمود. وهذه الأمور تسبب كلَّ أنواع الجهل والنقصان والتعلُّق والخنوع. ورغم ذلك، ففي نهاية المطاف من الممكن أن يحرِّر بودي الفرد نفسه من التعلق بتقلبات الحياة المتكررة على نحوٍ كافٍ لأنْ يدرك أن ما يخلقه أهانكارا هو مجرد ذات مزيفة أو ذات أقل شأنًا، وأن الذات الحقيقية هي بوروشا، تلك الذات المنفصلة التي تنتظر في صمت أن تسنح الفرصة. لا يقدّم سانكيا كاريكا أي منهجيّة مفصّلة لتحقيق التمييز, بل يقدِّم هيكلًا فكريّا متوافقًا مع ممارسة التمارين التأملية الخاصة باليوجا الكلاسيكية.
الكلمة والكتاب
خلال القرن الخامس الميلادي، قدَّم النحوي بهارتريهاري وجهة نظرٍ تمثَّلت في أنَّ فهم العلاقة بين اللغة السنسكريتية الكلاسيكية وبين الواقع ليس فقط طريقةً للدفاع عن المبادئ الأساسية للفيدا والعالم الذي تُمثِّله, لكنه أيضًا طريقة لاكتساب البصيرة المُحررة. ورأى بهارتريهاري في الجمع بين هذين العاملين أن النحو ودراسة اللغة هما أسمى الأنشطة الدينية الفلسفية كلها، وزعم أنه من خلال فهمِ طريقة ارتباط اللغة السنسكريتية بالعالم الظاهر، من خلال الألفاظ الفيدية، يمكن للمرء التوصل إلى معرفة المطلق الشامل "براهمان"؛ فاللغة نفسها، بالمعنى الواقعي للغاية، هي صوت الحقيقة. ووفقا لبهارتريهاري فنظرًا لأن المعنى والكلمات موحَّدان في الطريقة التي نفهمهما بها من خلال الجمل؛ فلا يمكن أن تُوجد معرفةٌ إلا من خلال اللغة؛ فمعرفة أحد الأمور تعني معرفته بالطريقة التي تعبِّر بها اللغة عنه؛ ومن ثَمَّ يمكن رؤية أن الحقيقة نفسها قابلة للمعرفة من خلال فهْم طريقة التعبير عنها في الجمل. وقال بهارتريهاري إنه على الرغم من أن المرء يستطيع تقسيم اللغة إلى وحدات تتكوَّن من جُمَل ومن الأجزاء المكوِّنة لتلك الجمل، بغرض تحليلها نحويٍّا، فإن اللغة في واقع الأمر، بصفتها صوت الكون، هي في حدِّ ذاتها مستمرة وغير قابلة للتقسيم. وفي هذا الصدد فإنه يستنتج ما يرى أنه نتيجة منطقية للنظرة الفيدية التي ترى أن الكون يستمر على نحوٍ فعَّال من خلال الأصوات المنطوقة في الطقوس المرتبطة بالقربان. ويقول بأن التبصّر في هذا الصوت الواحدي "شابدا براهمان" هو الهدف الذي يجب أن يسعى المرء الى تحقيقه.
بالنسبة لمفكري ميمانسا, كان الهدف الأساسي من عملهم هو الفهم الصحيح لطبيعة الطقوس, لا سيما أوامر القربان, واعتبروا القربان وسيلة للحفاظ على استمرارية الدارما, أي الطريقة التي ينبغي أن تكون عليها الأشياء. وفي محاولة لفهم طبيعة الطقوس, وجد مفكرو ميمانسا المتأخرون أن أعمال النحويين التقليديين وثيقة الصلة بالطريقة التي ترتبط بها اللغة بطبيعة العالم, ورأوا أن نطق أحد الكلمات يدل على الشيء الذي تشير إليه. كما قالوا إن أوامر كتابات الأوبانيشاد التي تحض على معرفة المرء لذاته لم يكن هدفها التحرر, بل كان تحسين أداء الطقوس الفيدية.
مثّل الإدراك, لدى مفكري ميمانسا, وسيلة معرفة صحيحة وموثوقة في حد ذاتها للعالم المحيط بنا ولذواتنا كأشخاص عارفين. وفعل المعرفة يكشف الوجود الخارجي الواقعي على نحو متسام لكلّ من المعروف والعارف, وهذا يعني أن لا أحد منهما يعتمد بأي طريقة على عمل العملية الإدراكية. وبدلا من ذلك, فإن المعرفة تحقق حالة معلومية للشيء المعلوم, وتؤكد وجود العارف المستقلّ. دافع مفكرو ميمانسا أيضا عن تعددية وواقعية العالم من خلال تأكيد طبيعة سماتهما بطريقة مماثلة لمفكري فايشيشيكا, وقبلوا الفئات الخمس التي تمثلت في (المادة, الصفة, الفعل, الخصائص العامة, الغياب), وأضافوا الى الأنواع التسعة للمادة (الأرض, الماء, النار, الهواء, الأثير, المكان, الزمان, الذات, العقل) كلّا من الظلام والصوت.
أما المفكرون الأصوليون الآخرون, الذين اتبعوا منهج بادارايانا, فقد رأوا تعاليم الفيدا في سياق ضرورة اكتساب المعرفة المتعلقة بجوهر الكون, براهمان. كان أكثرهم تأثيرا هو شانكارا, الذي كتب تأويلا لكتابات الأوبانيشاد, تثبت وجود كون واحدي غير مثنوي جوهره البراهمان, وأن كل أشكال التغيير ظاهرية فقط, أو كما يطلق عليها "فيفارتا فادا" أي التجلّي عن طريق المظهر. وقال شانكارا بأن معرفة البراهمان الموجود هو الهدف التجريبي المطلق للإنسان وليس فقط معرفة عدم واقعية العالم التجريبي المؤسس بناء على ا|لإدراك.
يعد فكر رامانوجا, الذي عاش في القرن الحادي عشر, أكبر تجسيد للمعتقدات المعاصرة للكثير من الهندوس. يعرف نظامه الفكري, الذي يعتبر فرعا من فروع دارشانا فيدانتا, بإسم فيشيشتادفايتا فيدانتا, أي فيدانتا غير ثنائية لكنها محدودة. على النقيض من الواحدية المطلقة التي قال بها شانكارا, فإن وحدة البراهمان لدى رامانوجا هي وحدة محدودة, حيث توجد ضمن هذه الوحدة علاقة بين براهمان بصفته الها وبين الذات الفردية بصفتها متعبدا, فإن البراهمان لا يمكن أن يوجد دون الذوات. إنهما متلازمان على نحو متأصل وأبدي, على الرغم من أنهما مختلفان, وهذا هو معنى فيشيشتادفايتا أي عدم الثنائية المحدودة. إنتقد رامانوجا بشدة نظرية فيفارتا فادا لصاحبها شانكارا, وقال أن البراهمان هو المسبّب المادي للعالم التجريبي وهو التجلّي عن طريق التحوّل "باريناما فادا", إن البراهمان يتغيّر في واقع الأمر وهو نشط ولديه علاقة بالأفراد.
تأريخ زمني
- 2000 قبل الميلاد تقريبًا: دخل تقليد تقديم القرابين الفيدي، القائم على الأفعال الشعائرية إلى شمال غرب الهند على يدِ الآريِّين. وحافظ كهنة البرهمية على هذا التقليد وتولَّوا مهمة تنفيذه.
- 800 - 500 قبل الميلاد تقريبًا: اعتنق التقليدُ البرهمي التعاليمَ المدونة في كتابات الأوبانيشاد القديمة، التي قالت إن المعرفة ذات أهمية مطلقة.
- 500 قبل الميلاد: وجود الفرع الشعائري والفرع المعرفي من التقليد البرهمي جنبًا إلى جنب. وفي تناقض صارخ مع معتنقي الدين البرهمي كان المارقون (المتجوِّلون والمتسولون والمتَبَتِّلون) يسعون إلى اكتساب المعرفة عن العالم وعن أنفسهم، ورفض المارقون كافَّة الأعراف البرهمية.
- 485 - 405 قبل الميلاد تقريبًا: تُمثِّل هذه الفترة حياة بوذا. تسجل النصوص أن بوذا تحدَّى الممارسات والتعاليم البرهمية ومزاعمها القائلة بسلطة كهنة البرهمية، وأنه لم يجد بديلًا مَرْضِيٍّا بين تعاليم المارقين. واعتمادًا على رؤًى اكتسبها من خلال تنويره شخصيٍّا، تعلم بوذا طريقةً وسطى بين طريقة المعتنقين وطريقة المارقين.
- من القرن الرابع إلى القرن الثاني قبل الميلاد: في مواجهة انتشار المزاعم المناهضة لمعرفتهم الحقيقة، كان كهنة البرهمية مضطرين إلى توضيح الموضوعات التي تبرر ممارساتهم وتؤكد سلطتهم في الوقت نفسه من أجل الحفاظ على مكانتهم السيادية. ونظرًا لكونهم الحراس القدماء للطقوس القربانية واللغة السنسكريتية، فقد سعوا إلى وضع المعايير التي بموجبها تصبح ممارساتهم واهتماماتهم مشروعة، ليس فقط من أجلهم، بل أيضًا من أجل دحض مزاعم الآخرين. وفي أثناء القيام بذلك وضعوا قائمة بالأمور التي تحتاج كل مدرسة من مدارس الفكر إلى إثباتها لتدعم موقفها. من بين الشخصيّات الرئيسيّة, النحوي بانيني.
- من القرن الرابع إلى القرن الأول قبل الميلاد: شهد التقليد البوذي القديم انقسامًا إلى مدارس مختلفة. بدأ الانشقاق على أساس اختلاف القوانين الرهبانية الصارمة، وتدريجيٍّا بدأت تلك المدارس تتبنَّى وجهات نظرٍ عقائدية مختلفة على نحو مميز.
- القرن الثالث قبل الميلاد: كاتيايانا وباتانياجالي، قاما بالتعليق على القواعد اللغوية التي وضعها بانيني. "فايشيشيكا سوترا" لصاحبها كانادا, اهتمّت بالوضع الوجودي لمكوّنات الحقيقة, وسعى كانادا الى تحديد أنواع الكيانات التي يتكون منها العالم. "نيايا سوترا" لصاحبها جوتاما, تبنّت الواقعية التعددية الوجوديّة التي قال بها كانادا, وبالطريقة التي يمكن للمرء من خلالها التوصل الى معرفة مؤكدة حول تلك التعددية, وكان أهم اسهاماتها طريقة ابستيمولوجية تقوم على التفكير الاستدلالي. تطوّر في تقليد بوذيّة "أبهيدارما", تبنّت المدرسة نشاط التحقيق وتصنيف ظواهر الدارما الى فئات من أجل فهم طبيعة الواقع.
- القرن الثاني قبل الميلاد: جايميني، مؤلف أول نصٍّ تأويليٍّ مشهور حول قِسم الأفعال "كارما كاندا" من الفيدا. بادارايانا, مؤلف نص "براهما سوترا" وهو نص تأويلي مهم حول كتابات الأوبانيشاد المتعلقة بالقسم الفلسفي "جنيانا كاندا" من الفيدا.
- من القرن الأول قبل الميلاد إلى القرن الأول الميلادي: ظهور بوذية الماهايانا وسوترات "براجنياباراميتا" (كمال الحكمة)
- القرن الثاني الميلادي تقريبًا: اعتمادًا على نصوص براجنياباراميتا، تركِّز فلسفة مادياماكا كاريكا لصاحبها ناجارجونا على "شونياتا" (خواء) كل الظواهر, وتضع الأساس لمدرسة فكرية تعرف باسم "مادياماكا" (الطريق الوسطي). ويحظى مبدأ النشأة المتعمدة الذي قال به بوذا بأهمية محورية في تعاليم ناجارجونا.
- القرن الثالث الميلادي: سوترات اليوجا الخاصة باليوجا الكلاسيكية كُتبت على يدِ أحد الأشخاص الذين يحملون اسم باتانياجالي. وتمثّل منهج تدريب ذهني مفصّل يهدف لاكتساب البصيرة المحرَّرة، فهو منهج متطابق مع وجودية سانكيا.
- القرن الرابع الميلادي تقريبًا: المدرسة البوذية شيتاماترا/يوجاكارا. وضعت إحدى المدارس البوذية المعروفة باسم "شيتاماترا" (العقل فقط) أو "يوجاكارا" (ممارسة اليوجا) تفسيرًا بديلًا لفحوى تعاليم براجنياباراميتا؛ في محاولة لتقليل العدمية الواضحة لمدرسة الخواء. زكما يوحي المصطلحان يوجا والعقل, فهذه الطريقة تركز على فهم العمليات التأملية أو أحداث الوعي.
- من القرن الرابع إلى القرن الخامس الميلادي: إيشفاراكريشنا يدوِّن الوجودية الثنائية لفلسفة سانكيا الكلاسيكية. حيث ذكر أن البشر محكوم عليهم بالميلاد المتكرر, لأنهم لا يدركون أن ما يعتبرونه وعيا هو لا وعي, وأن الوعي يكمن في الذوات "بورشا" المنفصلة وجوديا وغير النشطة, والهدف هو اكتساب البصيرة في هذه الثنائية.
- القرن الخامس الميلادي: النحوي بارتريهاري يطوِّر دارشانا تقليدية إلى جانب نشاطه الفلسفي المتمثِّل في التحليل اللغوي. وصرَّح بارتريهاري أن فهم دور اللغة يؤدي إلى معرفة البراهمان المُحرِّرَة، وهذا هو جوهر الكون الموحِّد.
- القرن السابع الميلادي: ازدهار تقليد ميمانسا الذي يتكوَّن من تأويلات الكارما كاندا (الجزء الفعلي) من نصوص الفيدا. والمكونات الرئيسية للتقليد تضمُّ كوماريلا وبرابهاكارا.
- القرن الثامن الميلادي: مدرسة أدفايتا فيدانتا لصاحبها شانكارا، وتقوم هذه المدرسة على التأويلات غير الثنائية لكتابات الأوبانيشاد.
- القرن الحادي عشر الميلادي: مدرسة فيشيشتادفايتا فيدانتا تقوم أيضا على تأويلاتٍ لكتابات الأوبانيشاد.

تعليقات
إرسال تعليق