رأي - حزب الله والتدمير الذاتي
تصعيد المواجهة بين حزب الله وإسرائيل في صيف-خريف 2024 شكّل لحظة مفصلية في تاريخ الصراع بين الطرفين. بخلاف ما حدث في حرب تموز 2006, لم يتمكّن الحزب هذه المرة من فرض معادلة الردع التي طالما تباهى بها, بل وجد نفسه أمام خسائر بشرية وتنظيمية جسيمة, واهتزاز في صورته كقوة عسكرية "لا تُقهر". على الرغم من أنّ الكثير من التحليلات ربطت الفشل بعوامل عسكرية بحتة, مثل التفوق الجوي الإسرائيلي أو الدعم الغربي لتل أبيب, إلا أنّ هذا المقال ينطلق من فرضية مختلفة: إنّ جزءًا أساسيًا من الفشل جاء من الداخل, عبر ما يمكن تسميته "التدمير الذاتي".
يقوم هذا التدمير الذاتي على محورين مترابطين: الجمود القيادي وإهمال الاستثمار في رأس المال البشري والمعرفي. فمنذ الثمانينات, ظلّت القيادة بيد الجيل المؤسس, دون تداول عمودي يسمح بظهور مقاربات جديدة, ومع الوقت تحوّل وجود هؤلاء القادة إلى ما يشبه "الهالات" غير القابلة للمسّ, ما فرض على الحزب أن يُنشئ مناصب ووحدات أفقية لإرضاء الولاءات, بدل أن يُدخل دماء جديدة ترفده برؤى معاصرة. هذا الجمود جعل الحزب أسير عقلية الماضي في إدارة الحرب.
بالتوازي, أهمل الحزب استثمار الطاقات المعرفية في صفوف شبابه, من مهندسين وخبراء بيانات وتقنيين, واكتفى بدفعهم نحو أدوار هامشية. ومع الأزمة الاقتصادية اللبنانية وما رافقها من نزيف للهجرة, تلاشت إمكانية بناء جهاز معرفي عسكري يواكب التحولات التكنولوجية. في المقابل, كانت إسرائيل توظّف المعرفة والصناعة الحربية لخدمة عملياتها, ما جعل الفجوة بين الطرفين تتسع إلى حدّ الفشل الذاتي للحزب في مواجهة خصمه.
انطلاقًا من هذا التشخيص, يركّز المقال على تحليل هذين المحورين بالاستناد إلى أدبيات علمية عن التنظيمات المسلحة (كاليفاس 2006, ستانيلاند 2014) ودراسات عن الاقتصاد المعرفي وهجرة العقول (كارنيجي 2020, منظمة العمل الدوليّة 2021) فضلًا عن تحليلات مراكز أبحاث استراتيجية (مركز الدراسات الاستراتيجية والدوليّة, المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية) التي وثّقت مظاهر ضعف الحزب في تبنّي أدوات الحرب الحديثة. والغاية ليست فقط تفسير ما جرى في 2024, بل إظهار كيف أنّ بنية حزب الله الداخلية تُنتج قابلية للهزيمة, حتى من دون ضغط خارجي استثنائي.
الجمود القيادي
يُعدّ الجمود القيادي أحد أبرز مظاهر "التدمير الذاتي" داخل حزب الله, إذ أنّ الجيل الذي تسلّم مواقع القرار منذ ثمانينات القرن الماضي ما زال مهيمنًا على هرم القيادة حتى حرب 2024. لم تُتح للأجيال اللاحقة فرصة الصعود العمودي لتولّي المسؤولية, بل اقتصر الأمر على تنقّلات أفقية داخل الأجهزة المختلفة, بينما في إسرائيل, فمنذ عام 2006 تبوّأ منصب رئاسة الأركان 7 أشخاص مختلفين. هذا النمط من "إعادة التوزيع الأفقي" — الذي يصفه اللبنانيون شعبيًا بعبارة "تركيب طرابيش" — أتاح للحزب المحافظة على الولاءات الداخلية لكنه في المقابل حدّ من قدرة البنية التنظيمية على التجديد والابتكار.
تشير أدبيات علم الاجتماع السياسي والتنظيمات المتمرّدة إلى أنّ التداول القيادي يُعتبر شرطًا أساسيًا للحيوية والقدرة على التكيّف. يذهب بول ستانيلاند في كتابه Networks of Rebellion إلى أنّ الحركات المسلّحة التي تحتكرها نخب ثابتة تميل إلى الانغلاق البنيوي, وتُصبح أقل قدرة على تعديل استراتيجياتها عند تغيّر بيئة الصراع. الأمر نفسه أكده ستاثيس كاليفاس حين أوضح أنّ التنظيمات التي تفشل في "إعادة إنتاج نفسها" على مستوى القيادة تواجه خطر التآكل الداخلي أكثر من خطر العدو الخارجي. ينطبق هذا التحليل بوضوح على حالة حزب الله, حيث أدّت "الهالة" المحيطة بالقيادات التاريخية إلى جعلهم فوق النقد أو المساءلة, الأمر الذي قوّض أي نقاش داخلي جاد حول مراجعة التجربة أو استشراف بدائل جديدة.
انعكست هذه البنية الجامدة مباشرة على الأداء العسكري في حرب 2024. فعلى الرغم من أن الحزب واجه خصمًا يمتلك قدرات تكنولوجية متفوقة, إلا أن الجمود في القيادة حال دون تطوير استجابات مبتكرة. لم تُطرح داخل هرم القرار سيناريوهات بديلة مستوحاة من تجارب حروب حديثة, ولم يُفسح المجال أمام قادة أصغر سنًا يمتلكون خبرات في مجالات جديدة (الطائرات المسيّرة, الحرب السيبرانية, تحليل البيانات). وهكذا, بقيت القيادة أسيرة تكتيكات مستمدة من الماضي: حرب استنزاف بالصواريخ التقليدية, وإدارة معارك مشاة في بيئات مألوفة. هذه الخيارات لم تعد صالحة أمام جيش إسرائيلي انتقل إلى أنماط قتال تعتمد على الدمج بين الاستطلاع الفوري والضربات الدقيقة.
يُضاف إلى ذلك أنّ غياب التداول العمودي قاد إلى بروز "أمراء أجهزة" داخل الحزب, لكلّ منهم حيثيّة خاصة وشبكة ولاءات, ما أضعف مركزية القرار وأجبر القيادة على خلق وحدات جديدة لإرضاء توازنات داخلية بدل أن تكون استجابة لاحتياجات ميدانية فعلية. هذا التكلّس البنيوي جعل التنظيم أقل مرونة في إعادة توزيع موارده البشرية واللوجستية خلال الحرب. وبذلك, لم يكن اغتيال عدد من القيادات البارزين مجرّد ضربة عسكرية, بل هزّة بنيوية كشفت مدى هشاشة منظومة القرار نفسها.
إنّ هذا الجمود يفسّر جزئيًا لماذا بدا الحزب في 2024 وكأنه يكرر أساليب 2006 بلا تحديث يُذكر. ففي حين طوّر الجيش الإسرائيلي عقيدته على مدى عقدين, ظلّ حزب الله أسيرًا لعقلية التقديس للقيادات التاريخية, ما جعل بنيته أقل قدرة على التكيّف مع بيئة صراع متحوّلة. وهكذا, تحوّل الاستقرار القيادي من مصدر قوة رمزية في نظر جمهوره إلى عامل وهن هيكلي أسهم في "التدمير الذاتي".
إهمال الإستثمار في رأس المال البشري والمعرفي
إلى جانب الجمود القيادي, مثّل إهمال حزب الله للاستثمار في رأس المال البشري والمعرفي أحد أبرز مظاهر "التدمير الذاتي" خلال حرب 2024. فبينما كانت إسرائيل تعيد صياغة بنيتها العسكرية منذ سنوات على أساس دمج التكنولوجيا والمعرفة في كل مستويات القتال, ظلّ الحزب أسير مقاربة تركّز على تعبئة المقاتلين في وحدات مشاة وصواريخ تقليدية, مع إغفال شبه كامل لاستثمار الكفاءات الشابة في مجالات العلوم الحديثة.
تشير الدراسات الحديثة حول "اقتصاديات المعرفة" في الحروب (فريدمان 2017, ريد 2013) إلى أنّ الجيوش والتنظيمات التي تدمج خبرات في علوم الحوسبة, البيانات الضخمة, والهندسة الإلكترونية, قادرة على تعويض حتى الفجوات المادية عبر حلول تكنولوجية منخفضة الكلفة نسبياً. في لبنان, ومع وجود جيل متزايد من الشباب الحاصلين على شهادات عليا في هذه المجالات, كان من الممكن للحزب أن يؤسس مختبرات بحث وتطوير خاصة به, أو أن يوظّف هؤلاء في بناء قدرات سيبرانية وأنظمة مسيّرات محلية. إلا أنّ ما حصل هو العكس: أُقصي العديد من هؤلاء الكوادر إلى أدوار هامشية, مثل التدريس في معاهد فنية, دون أن يُتاح لهم الانخراط في صلب المجهود العسكري أو البحثي.
تفاقم هذا الإهمال بفعل أزمة "هجرة العقول" التي ضربت لبنان منذ عام 2019. تقارير البنك الدولي ومنظمة العمل الدولية تؤكد أنّ آلاف الخريجين من مجالات العلوم والهندسة غادروا البلاد بحثًا عن فرص أفضل. بالنسبة للحزب, مثّل ذلك نزيفًا مزدوجًا: خسارة موارد بشرية متخصصة كان يمكن أن تسهم في تطوير قدراته, وتحوّل الكفاءات المتبقية إلى كتلة محبطة وغير مستثمرة. تشير دراسة لمؤسسة كارنيغي إلى أنّ "الفشل في دمج المعرفة داخل المؤسسات اللبنانية, السياسية أو العسكرية, يخلق فجوة متزايدة مع محيط إقليمي يعتمد على الابتكار". ينطبق هذا الاستنتاج بحذافيره على حالة حزب الله.
النتيجة الملموسة لهذا الإهمال ظهرت خلال حرب 2024. فبينما كانت إسرائيل تنفّذ ضربات دقيقة مدمجة بقدرات استطلاع آني تعتمد على الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة, اكتفى الحزب بإطلاق صواريخ تقليدية ذات دقة محدودة, غالبًا ما جرى اعتراضها أو استهداف منصاتها قبل الإطلاق. الفجوة لم تكن فقط في السلاح, بل في البنية المعرفية التي تدير الحرب. عدم الاستثمار في محلّلي بيانات, خبراء أمن سيبراني, أو مختصي حرب إلكترونية جعل الحزب مكشوفًا أمام قدرات خصمه, غير قادر على حماية شبكاته أو تطوير ردود مضادة.
يُضاف إلى ذلك أنّ الحزب لم يُبدِ اهتمامًا جدّيًا باستخلاص الدروس من حرب روسيا–أوكرانيا, التي شكّلت مختبرًا عالميًا لتكتيكات الحروب الحديثة. فقد أظهرت التجربة الأوكرانية أنّ الابتكار في استخدام المسيّرات والأنظمة السيبرانية يمكن أن يُعادل كفة الصراع حتى في مواجهة خصم متفوق ماديًا. لكنّ حزب الله بقي متمسكًا بالتصور الكلاسيكي لـ"حروب المشاة" والاستنزاف, الأمر الذي جعله يخوض حرب 2024 بعقلية تنتمي إلى زمن آخر.
بهذا المعنى, لم يكن فشل الحزب في 2024 مجرد نتيجة لضربات إسرائيلية دقيقة, بل كان انعكاسًا مباشرًا لإهماله المتواصل لرأس المال البشري والمعرفي. فالعقول التي كان يمكن أن تُطوّر أدوات المواجهة غابت, إمّا لأنّها هُمّشت داخليًا أو لأنّها هاجرت إلى الخارج. وهكذا, تحوّل عاملٌ كان يمكن أن يكون مصدر قوة استراتيجية إلى ثغرة قاتلة ساهمت في "التدمير الذاتي" للتنظيم.
ما العمل؟
تكشف تجربة 2024 أنّ التحدي المطروح اليوم لا يقتصر على مراجعة الأداء العسكري لحزب الله, بل على إعادة التفكير في شكل المواجهة مع إسرائيل برمّتها. فالفجوات التي ظهرت خلال الحرب تشير إلى أنّ أي تنظيم مسلّح, مهما بلغت قوته, يبقى محدودًا إن ظلّ يعمل خارج إطار مؤسساتي جامع. إنّ الردع الفعّال في المستقبل لا يمكن أن يُبنى على السلاح وحده, بل على منظومة متكاملة تُشارك فيها الدولة, وتستثمر فيها مختلف فئات المجتمع.
هذا يفتح الباب أمام نقاش أوسع: كيف يمكن للبنان أن يحوّل مصادر ضعفه إلى عناصر قوة؟ أحد المسارات الممكنة هو بناء مقاربة وطنية للردع تقوم على ثلاث ركائز:
- عسكرية: تطوير قدرات دفاعية ضمن استراتيجية وطنية شفافة خاضعة لمحاسبة مؤسساتية, بدل تركها حكرًا على جهاز مغلق.
- اقتصادية: استثمار موارد البلاد وبناء اقتصاد مقاوم يُقلّص التبعية ويزيد القدرة على تحمّل الصدمات.
- اجتماعية وسياسية: خلق عقد اجتماعي جديد يُعيد الثقة بين الدولة والمواطن, ويوحّد الفئات اللبنانية حول مشروع وطني جامع بدل الانقسام على قواعد طائفية أو حزبية.
بهذا المعنى, فإنّ دروس 2024 ليست دعوة لمراكمة القوة العسكرية فقط, بل لبناء حالة ردع شاملة تستند إلى مؤسسات الدولة وإرادة المجتمع. إصلاح الفجوات التي قادت إلى "التدمير الذاتي" لا يتحقق بترقيع جزئي, بل بمراجعة جذرية تُحوّل المواجهة مع إسرائيل من معركة عسكرية ضيقة إلى مشروع وطني شامل قادر على الصمود والتجدد.

تعليقات
إرسال تعليق